لقاء في راديو دجلة


لقاء اذاعي مع

 الاستاذ عقيل البصام

المدير الاداري لمنظمة

 الملتقى العراقي

البحث في الموقع

كُتّاب الملتقى


د. عبد االرضا علي


حسن شعبان


د. عقيل الناصري

 

مؤتمرات


العراق

العراق

الرسالة الاخبارية

الأسم:
البريد الالكتروني:

عدد الزوار

181725

البحث في غوغل

Google

المقالات المنشورة  في موقعنا تعبر عن رأي أصحابها

قانون المنظمات غير الحكومية الجديد بين التدخل الحكومي والاستقلالية

المحامي حسن شعبان

المنسق العام لمنظمة حقوق الانسان والديمقراطية

اجمعت منظمات المجتمع المدني وهي غير حكومية وغير حزبية وتعمل بآليات غير ربحية ونفعية وإنما تطوعية بحتة من خلال خدمة المجتمع المدني حتى يتحول الى كتلة واسعة ضاغطة رقابية تعمل خارج اطار الحكومة ودوائرها لهذه الاسباب سميت بالمنظمات غير الحكومية وتخضع في قراراتها الى هيئاتها العامة المنصوص عليها في انظمتها الداخلية واجمعت ايضاً على ان ذلك يمكن ان يكون ضمن آليات ونصوص قانونية تنظم العلاقة الايجابية ذات الشفافية العالية مع الحكومة، انما تكون هذه العلاقة على اساس الندية وليست الخضوع او السيطرة وإلا سوف لن يكون هناك مجتمع مدني ومنظمات غير حكومية حقيقية وفاعلة والمعايير هذه التي اشرنا اليها هي معايير دولية متفق عليها واصبحت في الكثير من الدول وخاصة ذات الانظمة الديمقراطية معايير ونصوص قانونية وطنية ملزمة تم فيها تحديد العلاقات ما بين المجتمع المدني والحكومات وهي تتفق مع الشرعة الدولية لحقوق الانسان تنسجم مع مبادئها واهدافها واصبح الامر واضحاً ان كل ما يضم من نصوص خارج اطار العلاقة الندية مع الحكومة انما يعبر عن فلسفة النظام السياسي ومنهجيته القائمة على السيطرة والتدخل.

وجرت محاولات عديدة لاصدار قانون يقع خارج هذه المعايير الاساسية لعمل منظمات المجتمع المدني وتحطمت وفشلت تحت شجاعة وقوة وارادة المجتمع المدني وليس احداً غيره.

وحينما رفع مجلس الوزراء بصيغة جديدة لقانون المنظمات غير الحكومية الى مجلس النواب لغرض التشريع لم تكن تتفق مع المعايير الدولية ولا مع طموح المجتمع المدني العراقي في وجود منظمات غير حكومية قوية وفاعلة ومستقلة ذلك لأن المسألة لا تعدو الحصول على الترخيص او ما يسمى في العراق بالاجازة وانما المبادئ والاسس لنشوء مجتمع مدني عراقي يلعب دور المراقبة والتأثير على سلطات الدولة وحينما يكون خارج هذا المفهوم فأنه لا محال سيقع في عباءات الحكومة والاحزاب والعمل السياسي البحت.

من المؤسف حقاً ان لا يأخذ مجلس النواب بهذه الملاحظات الاساسية واكتفى من التعديلات التي لا تؤثر على الاهداف الجوهرية لعمل المجتمع المدني ولابد من مناقشة هادئة وموضوعية مع نصوص المشروع:

اولاً– المادة 1 (رابعاً) الدائرة التي تعني بشؤون المنظمات غير الحكومية ترتبط بالامانة العامة لمجلس الوزراء التي ابقاها القانون المصادق عليه من مجلس النواب.

نتساءل بمشروعية لماذا هذا الربط بين منظمات غير حكومية والامانة العامة لمجلس الوزراء التي تشكل اعلى سلطة في الهرم الحكومي القائم على اساس الحزبية والسياسة البحتة في حين ان هناك دوائر بعيدة عن ذلك وعلى سبيل المثال المفوضية العليا لحقوق الانسان، مجلس القضاء الاعلى اعلى سلطة قضائية تفهم النصوص القانونية والخروج عن اهداف المنظمات وزارة التخطيط ووزارة العدل ومجلس النواب.

ولا أعتقد ان هذا يقع في اطار الاحترام والتقدير لهذه المنظمات بقدر ماهو محاولات التدخل والتأثير في شؤون هذه المنظمات وشجونها ولغرض تسهيل منظمات مدنية اقرب الى الحكومة والائتلافات العملاقة منها الى المنظمات غير المُسيسة؛ ولم تكن هذه المطالبة ذات الشرعية الكاملة صعبة وتؤثر على امن وسلاسة الوطن بقدر ماهي تعزيز للقانونية والديمقراطية لكي يكون المجتمع المدني ركناً اساسياً في ثالوث الحكم الراشد الذي اصطلح عليه دولياً.

ولم يأتي هذا الاعتراض من فراغ وانما ما افرزه الواقع الموضوعي في دوائر الدولة ومؤسساتها جراء المحاصصة الطائفية التي جرت في اختياراتها وما تعرضت لها من طعون بعدم الحيادية والاستقلالية والنزاهة والولاء للحزبية والطائفية حتى من قِبل الذين اختاروها انفسهم وبشكل لا يحتاج الى ادلة وبراهين؛ هذا الخوف المشروع من التدخل الحكومي الذي لا نريد ان ندخل في تفاصيله يعرفه القاصي والداني هو الذي دفعنا ان نقول لا للارتباط بالامانة العامة لمجلس الوزراء وانما دائرة محايدة غير مُسيسة لان ذلك ينسجم مع تكوين واهداف وعمل منظمات المجتمع المدني.

ثانياً– قضية التراخيص او ما يسمى (اجازة المنظمة):

اخذت معظم الدول المتقدمة والتي تعمل بآليات ديمقراطية والتي تنسجم مع المعايير الدولية للمنظمات غير الحكومية بنصوص قانونية وضعت فيها تسهيلات واسعة في عملية ترخيص هذه المنظمات ووفرت امامها المزيد من الحرية والاستقلالية من خلال الاكتفاء بعلم وخبر تأسيس المنظمة واشعار الدائرة المعنية ان هذه المنظمة بدأت تعمل في نطاق عملها معلنة اسم المنظمة ومقر اقامتها الدائم ونظامها الداخلي وما يستوجب من شكليات حيث تقوم الدائرة المعنية بمنح المنظمة رقماً وسمة عمل وكنا نرغب في ان يأخذ العراق الجديد هذا الطريق وينتزع اي تدخل حكومي او غيره في عمل هذه المنظمات وكما كان يجري من خلال ما سُمي في النظام السابق المكتب المهني لحزب السلطة الذي من خلاله كانت المنظمات الاهلية تعمل وتحت رقابة صارمة لا يسمح له بأي حيز من الحرية وكان هدفها الاساسي الدفاع عن النظام وسلطة الفرد الواحد.

لكنه – ومع مزيد من الاسف – اتى القانون الجديد ليعقد المسألة ويزيدها اجراءات شكلية قد منح الترخيص في مرحلتين الاولى تتعلق بالموافقة الاولية على ان يتم الاجابة على الطلب مدة سبعة ايام واخرى للحصول على الاجازة الكامل وهو ثلاثون يوماً.

هل من العدل ان تستغرق معاملة اجازة منظمة غير حكومية هذه المدد القانونية الطويلة ناهيك عن الروتين الحكومي القاتل ودائرة بهذا المستوى الحكومي التي لا تخلو من تدخلات او تفسيرات تُملي عليها حكومتها او ميولها الحزبية هذه المدد والمراجعات تتصادم مع ما ينص القانون على ان لثلاثة عراقيين فقط الحق في اقامة هذه المنظمة تساؤل في هذا التناقض؟! من يريد ان يبني دولة قانونية ومؤسساتية تعمل بالحكم الصالح او الراشد الذي يقوم اساساً على ثلاثية الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ان يضع في حساباته اجراءات السلطة التنفيذية فيما بعد التشريع (التعليمات والاجتهادات الشخصية) وحتى النصوص القانونية فهي حمالة اوجه في استخدامها وقد تصل حتى احتواء جديد للمنظمات غير الحكومية.

لهذا كله ينبغي ان تكون عملية الترخيص واجازة المنظمة الى غير (الموافقة الحكومية) ويكتفي بمفهوم الإخبار او الإشعار (القانون اللبناني مثلاً) التي يجعل من عمل هذه المنظمات اكثر استقلالية واوسع شفافية خاصة وانها منظمات مدنية واهلية تخضع لنصوص قانونية وانظمة داخلية تحدد نشاطها واهدافها من خلال رقابة قوية تأتي من هيئاتها العامة ومسائلة مالية سنوية.

الوجود الحكومي بهذا الثقل لمنظمات المجتمع المدني يجعل عمل بعض هذه المنظمات ومنها منظمات حقوق الانسان امراً في غاية الصعوبة ذلك لان التقاطع في غالب الاحيان يكون مع اجهزة الدولة من خلال فضح انتهاكات حقوق الانسان التي غالباً ما تأتي على يد هذه الاجهزة.

الدستور العراقي الدائم في الباب الثاني أتى على الحقوق والحريات والزم الحكومة وغيرها بضرورة احترام حرية الرأي والتعبير وحقوق المواطنين في تشكيل منظماتها واحترام استقلاليتها لهذا تشكل نصوص التراخيص واجراءاتها تعارضاً مع هذه النصوص الدستورية.

ولابد لنا ان نؤكد حقيقة مفادها ان هذا كله لا يعني ان تخضع العلاقة بين هذه المنظمات ومؤسسات الحكومة الى فراغ بل المطلوب هو وجود نصوص قانونية تؤكد على ان هذه العلاقة ينبغي ان تكون ندية ومتكافئة وليس امرية او قابضة بأي شكل من الاشكال لهذا نقول ان من حق المنظمات ان تتمتع بحرية التراخيص وتحتفظ الحكومة بحق الاحالة الى المحكمة المختصة لحل اية منظمة تخرج عن اهدافها وهنا الامر يخضع لارادة القضاء المستقل والعادل لحسم اي خلاف ينشأ.

ثالثاً– جاء في المادة 14 اولاً مفهوم غريب عن عمل واهداف اية منظمة غير حكومية بل ويتعارض مع طبيعة عمل هذه المنظمات الذي يقوم على اساس غير الربحية وغير النفعية وغير الحكومية وغير الحزبية وتتعامل مع السياسة من خلال اهدافها العامة والمشتركة الحق لهذه المنظمات الدخول في العطاءات الحكومية كمقاولين.

ورغم ان النص قد الزم ان يكون ربح هذه العطاءات لاهداف المنظمة إلا ان ذلك لا يمنع من وجود محاولتين لحرف هذه المنظمات عن الركن الاساسي التي من اجلها وجد المجتمع المدني الذي يجعل حقها في هذه العطاءات الحكومية الى تغيير اهدافها باتجاه العمل الربحي والتجاري ونحن نعلم ان هذه المغريات والمصالح الضيقة وما يترتب عليها من قضايا خطيرة هو حصراً من اختصاص الشركات التجارية والمقاولين ولا تنسجم مع عمل هذه المنظمات ولا مع اشخاصها ومع الاسف الشديد راحت بعض من منظمات المجتمع المدني توافق على هذه (المشاركة).

تحول كهذا تحاول فيه بعض الاطراف السياسية سحب المنظمات المدنية الى غير اهدافها وتضعها في عباءة الربحية ومشاكل الرشى والاعمال التجارية المعقدة والتي تسهل عملية الانتقاص من دور المنظمات وتقليص تأثيرها في الحياة الاجتماعية لا نريد مجتمعاً مدنياً ومنظماته ان يخرج عن العمل التطوعي البحت يدافع عن السلم الاهلي والمجتمعي من خلال آليات العمل الانساني وليس التجاري ولغة المال والربح والتنافس غير المشروع احياناً.

واذا كانت الحكومة العراقية الجديدة تريد حقاً الحفاظ على استقلالية موارد المنظمة ودعمها فيمكن ان تأخذ بنظام الاستفادة من اموال دافعي الضرائب كما هو جاري في البلدان المتقدمة ومن خلال مساعدات حكومية توضع لها ضوابط واليات محكمة وعادلة وعدم التمييز.

والمحاولة الثانية في هذا النص هو وضع المنظمات في قبضة الحكومة وفخها ومن خلالها عبر تفضيل هذه المنظمة او تلك لهذا العطاء وغيرها التي تقوم هي بإعداده وتنفيذه وليس على اساس العلاقة الندية والمتكافئة.

رابعاً– ورد في نص القانون ان لمجلس الوزراء منح المنظمات ذات النفع العام حقوقاً وامتيازات غير ما نص عليه في هذا القانون وله مقابل ذلك ان يتخذ اجراءات خاصة للرقابة والاشراف عليها.

ماذا نسمي هذا النص تدخلاً ام استقلالية؟ تعاوناً ندياً ام تدخلاً صريحاً في شأن المنظمات الاهلية وفيه اساءة للعمل الانساني الكبير الذي تضطلع به والقائم على اساس التطوعية ويتقاطع مع مفهوم الحكم الراشد من الضروري ابقاء المجتمع المدني في دائرة النقاء والتطوع وليس على اي اساس اخر.

خامساً– في قضية حل المنظمة وضع القانون تدرجاً في ذلك ما سمي بالتعليق وحق الاعتراض لدى الامانة العامة لمجلس الوزراء وفي هذه العلاقة المباشرة يجعل عمل المنظمات يقع تحت مفهوم التدخل الحكومي وما فيه من ترهيب وتخويف غير مبررين ولا نجد حاجة للتعليق وانما يكتفي باحالة المنظمة التي خالفت نظامها الداخلي وخرجت عن اهدافها الى القضاء وهو الاكثر عدلاً وقانونية.

هذه ملاحظات تمت على عجل بسبب ان القانون وبعد ان صادق عليه مجلس النواب يكون في طريقه لتصديق الرئاسة ليصبح قانون واجب التنفيذ ومن الواجب علينا نحن العاملين في المجتمع المدني ان نوضح الامور، ذلك لاننا حريصون على استقلالية المنظمات وبدونها لن يكون هناك مجتمعاً مدنياً حقيقياً وفي نفس الوقت يحرص على افضل العلاقات الندية والمتكافئة مع الحكومة لان الهدف الرئيسي هو الوصول الى الحكم الراشد الذي اصبح من اهم المعايير الدولية لمجتمع متوازن وديمقراطي.

وبصراحة فأن ما اشرنا اليه من عيوب جسيمة واساسية في القانون سوف تحد من عمل المجتمع المدني والذي لا يزال في طريق التكوين والصيرورة.

 

 

 
< السابق   التالى >