|
ولد الأديب عبد الغني الخليلي في مدينة النجف عام 1925، عُرفت أسرة الخليلي التي سكنت النجف في أواسط القرن الثامن عشر ، بحبها الشديد للفكر والأدب، ومنها نبغ مشاهير في العلم والأدب والشعر والصحافة، بل والكفاح الثوري ضد الظلم والاستبداد، منهم القاص جعفر الخليلي والشاعر الناثر عباس الخليلي، وكانت مدرسة الخليلي منارة للعلم والمعرفة حيث خّرجت علماء وأدباء ومثقفين تتلمذوا على أيدي أساتذة كبار مثل حسين مروة ومحمود الحبوبي ومحمد جمال الهاشمي وغيرهم. عَرفْتهُ من خلال كتاباته الرائعة ، في مجلة الثقافة الجديدة الذي يصدرها الحزب الشيوعي العراقي ، وهي منبرُ فكري كبير ، حيث دأب على الكتابة في هذه المجلة اليسارية ، في الثمانينات من القرن الماضي وربما قبل ذلك ، أتسمت كتاباته بمتانة أدبية مميزة ، وإحساس مرهف ، كان غالبا ما يتحدث عن ذكرياته في النجف ، علاقته بالأدباء والأدب ، وعلاقة أسرته بهذا الوسط الثقافي ، تسحرني كتاباته في أجوائها الممتلئة بعبق الماضي ، ودف الذكريات ، وحنينه وحبه الشديد لوطنه العراق وأدباؤه وأنهاره ، كلما أقرأ ما كتبه عن تلك الأيام في مدينته ، فانه يحملني في بساط سحري جميل ، فيطير بي فوق العراق ، فوق مدينته الحلوة ( النجف) ، في تاريخها السياسي والديني والثقافي العريق ، ليطل على مئاذنها وقببها التي يحن إليها، وينوح مثل نوح الحمام ، وفي سنواته المبكرة أحب الشعر و الكتابات الأدبية ، قرأ كثيرا للمتنبي وأحب ابن عربي ، وحفظ ديوانا كاملاً للجواهري ، وعن علاقته بالشاعر ألجواهري يقول -”علاقتي بالجواهري قديمة فعائلتانا كانتا متجاورتين ، أذكر محمد ألجواهري عندما كنت في الثانية عشرة من عمري ، كنت أزور عمي الطبيب محمد الخليلي حيث كان يقيم في الكوفة ، وكان ألجواهري يعمل أستاذا للأدب العربي في ثانوية النجف ، وكان بيت عمي مرتاد الأدباء والشعراء النجيين وغيرهم". وأما الجواهري فقد خَصَّهُ بقصيدةٍ جميلة منشورة في المجلد الرابع من ديوانه وكانت قد نشرت في جريدة اليوم اللبنانية 27/2/1968 " أبا الفرسان انك في ضميري و ذاك أعز دار للحبيبِ وبي شوق إليك يهز قلبي ويعصره فيخفق بالوجيبِ وذكرك في فمي نغم مصفى يرتّل في الشروق وفي الغروبِ سلام الله يعبق بالطيوب على ربعٍٍ تحل به خصيبِ ثري بالمفاخر والمزايا تورثها نجيب عن نجيب أبا الفرسان إن عقّت ديار عقدت بها شبابي بالمشيب وذوّبت الضلوع على ثراها ولم أطلب بها اجر المذيب فلا عجب فقلبي ضاق ذرعا بخير الناس احمد والحبيب فذياك استبيح دما وعِرضا وذاك قضى بها نحب الغريب وسيم البحتري الهون فيها وغص بحسرة الترب الحريب على حين استباح الغر فيها بقايا السيف والسلب الجليب أبا الفرسان لاعجب بانا نؤدي فدية البلد العجيب ِ" تأسست أفكاره الأولى ومنطلقاته الفكرية من واقعه الاجتماعي النبيل ، فقد عاش الأديب الخليلي في أسرة أدبية طيبة ، شرب من ماء طيبها وأدبها ، وتربى على حب الناس والأدب والشعر ، يتحدث عن طفولته وذكرياته الأولى مع مدينته وبساتينها وأدباؤها ، ينابيع معرفته. بدأ كتاباته الأولى في مراسلة الأدباء والكتاب ، حيث كان الخليلي مولعاً، ومنذ صغره بكتابة الرسائل، كان يراسل شخصيات ثقافية وأدبية عربية وعراقية كثيرة.. وفي إحدى المرات كانت قد وصلت له رسالة من الشاعرة مي زيادة عنونتها إلى الأخ الشاعر الكبير عبد الغني الخليلي يقول، في آخر مقابلة أجريتها معه، انشرها هنا لأول مرة ، إن هذه الرسالة أطْلَعَ عليها عمه الكاتب جعفر الخليلي فكتب إلى زيادة يقول إن الأخ الكبير عبد الغني الخليلي ليس سوى صبياً لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره . لقد برع الأديب عبد الغني الخليلي، في ميدان أدبي، عرف بأدب الرسائل، وله كتابات كثيرة في هذا الميدان . "أهتم الخليلي كثيرا بهذا اللون من الكتابة أو مايسمى بأدب الرسائل. وعن سؤالي له عما تعني إليه تلك التي الرسائل التي كان يدونها قال إنها تعني له الكثير. ”إنها تعني لي المحبة التي تربطني بأصدقائي، خاصة وان كانوا هؤلاء بعيدين عني.. لكني كنت أراسل حتى الذين يسكنون على مقربة مني ، في مناطق قريبة من منطقتي التي اسكن بها”. نظم الشعر وهو دون العشرين من عمره، وكان يحلم إن يكون شاعرا كبيرا غادر النجف أواسط الأربعينات ليعمل معلماً في مدينة الكاظمية ، ثم فصل من التدريس بسبب نشاطه السياسي ، ثم عمل في مطبعة الزهراء التي يملكها عمه ، ثم في مصرف الرافدين عام 1954 حتى أحيل على التقاعد عام 1976 ، وقد بلغ ماكتبه الألفي صفحة ، صادرها منه نظام صدام ، حين داهموا بيته ونهبوا كل محتوياته ، وذهبت مخطوطاته بين أيدي ذئاب صدام ، فحُرم القارئ من كتابات وذكريات، كانت سترفد مكاتبنا بنتاجه الخصب الثري ، كانت كتاباته تاريخ سياسي ناصع، مكتوب بلغة النثر تتعشق فيه روح شعرية وتعطره نفسُ شاعرية شفافة ، اقتلعوا هذه النخلة العراقية وداسوا ثمارها ، ورموها على حدود الوطن ، منتزعين هويتها ووثائقها، معتقدين إن الوطن هو وثيقة يمنحها موظف حكومي، وكما نعرفهم فهم جهلة أغبياء ، متسلطون ، قدموا من إطراف الصحراء، أشباه أميين، لايجيدون سوى الضغط على الزناد ، ميزتهم الوحيدة هي الغلظة والفضاضة ، عُرفوا بطباعهم القاسية الفظة التي صنعتها، ريح الصحراء الصفراء المغبرة ، حكموا مدن سومر وبابل ، وهم نفايات الصحراء ومخلفاتها ، هؤلاء هم الإعراب ، الذي نبذهم القرآن منذ أكثر من إلف عام وبضعة قرون ، هم ليسوا عرباً ، فالعرب هم أبناء محمد (ص) الذي اتصف بالسماحة والمروءة والأدب والصدق والأمانة وداعية العلم والقراءة ونصير الفقراء ، وهم والله ليس فيهم صفة واحدة من تلك الصفات. وفي الثمانينات، عاش في دمشق عدة سنوات ثم غادرها إلى السويد ، التي أعطته ماحرمه الحاكمون في وطنه، الأمان والمواطنة، فأخذ فرصة من الهدوء والاستقرار ليكتب كتابه اللطيف الشفاف، المكتنز بعطر الذكريات، المكتوب بلغة أدبية غاية في الثراء والخصوبة، جزلة وحلوة المذاق، متينة ورصينة، عبرت عن مخزون طافح، من قراءات نابتة في جذور نفسه الطيبة، التي شبت على حب الأدب والناس، لتقدم ملكة أدبية نفيسة، غيبتها سنوات العسف والظلم وقائمة الممنوعات بحق الكتاب الثوريين، أخذ يستجمع ذاكرته التي ارهقها الظلم والإرهاب، مستذكراً أحبته في الوطن، ابنه فارس، فبدأ يكتب حنينه، حبه ممزوجاً بحزن عراقي متجذر في النفوس المرهفة "كان الخليلي كلما خيم عليه ظلام ستوكهولم في نهاراتها الشتوية ، التجأ إلى دفء ذاكرته ، بشمس العراق وهديل حمائمه ، وكثيراً ماتمنى لو أنه عاد إليه ، رغم انه كان يخشى إن يكبر حزنه إن تنكرت له نخلته العزيزة يوم يعود ، ثم يستدرك: ”لكن من يدري، ربما أجدها مثلي وحيدة وقد خط الشيب ضفيرتها، ونأى عنها الجيران ولم يعد القمر ينثر عليها فضته ويسهر عندها في الليل…”* غير انه سرعان مايصحو من حلم يقظته فيتألم لما أصاب الوطن "ويخشى إن يراه مظلما، ليس كما في صورته التي يحملها عنه كل هذه السنين العجاف، لكن لو تفتح أبواب الوطن وأعود إليه، فلن أرى نجمة الصباح تتألق خافقة في زرقة السماء. فسيحجبها عن عيني دخان الحرائق ودموع الثكالى". تحدث في كتابه سلاما ياغريب الذي صدر الجزء الأول في السويد والثاني من دار المدى في دمشق والتي أسسها الأستاذ فخري كريم، هذه المؤسسة التي دعمت الكتاب والأدباء اليساريين ورعت الثقافة بشكل عام، تحدث عن أيام صباه، داره ونخلته الشامخة، جيرانه ، المئاذن والقباب ، وهدير الحمام . لم يفتقد روح الشباب رغم السنوات المُرَّة ، والخطوب الجِسام ، فهو كما سماه الشاعر مصطفى جمال الدين شيخ الشباب ، كان يحلم إن يرى نجمة الصباح تتألق خافقة في زرقة السماء التي تبتهج نفسه ، حين تراها تلمع فوق المئاذن التي الجذلة بأنوارها الذهبية ، كأنها نقطة فضة في صحن من ذهب ، هذه الصور لازمته في يقظته وأحلامه ، كنت أتمنى إن نعود لنراها معا بعد زوال دولة الظلم الصدامية. رحل إلى نجمته التي أحبها كي يعيش في عالم أبهى وأرق ، في يوم الجمعة ، الخامس عشر من تشرين الثاني عام 2002 ، محمولاً على أكتاف محبيه ، نحو مقبرة في شمال العاصمة السويدية ستوكهولم، حيث يوارى ثرى ارض غريبة ، بعيداً عن مدينته التي ولد فيها ، وعن كثيرٍ من أحبته الذين حلم برؤيتهم، تاركاً كثيراً من الأمنيات اًلتي لم تتحقق لُيحملُ على أكتاف محبيه نحو مقبرة في شمال العاصمة السويدية ستوكهولم ، حيث يوارى ثرى ارض غريبة .
|