| رؤية في استحداث ادارة تخطيط الإعلام التنموي |
|
دور الاعلام في ادرة الازمات الاقتصادية وايجاد بدائل للنفط بالتنمية رؤية في استحداث ادارة تخطيط الإعلام التنموي
تدريسي وباحث في شؤون الإعلام والاتصال مركز جامعة بغداد
يضطلع الإعلام الحديث بدور أساسي في بناء الثقافة العامة للمواطنين, وفي تعاملهم مع الأزمات التي تشكل تحديا لأبرز احتياجاتهم المعيشية والاقتصادية, الأمر الذي يدعو إلى تأكيد مهمته المعاصرة في إعادة بناء القيم المساندة للتطوير والتنمية والتحديث في المجتمعات المختلفة, وتشدد الكثير من الدراسات على دوره - الإعلام - في إحداث التأثير على المتلقي وتوجيه سلوكه, في شتى المجالات الحياتية, وبالاتجاهين السلبي والايجابي, إذ تجري اليوم محاولات حثيثة عبر وسائله المهمة, لصياغة الفرد المعاصر وعيا وسلوكا, واثر ذلك في توجيه أنماطه الاستهلاكية بحسب اتجاهات المجتمع واولوياته, على وفق نموذج معد له سلفا, قد توفره الحاجة إلى دفع السلوك باتجاه يرغب القائم بالاتصال الوصول إليه, على وفق تخطيط محدد لإتمام عدد من الأهداف, وهو ما يعرف بـ"هندسة السلوك البشري", أي بمثابة إعادة تشكيل الفرد عبر مبدأ: الخطوات الصغيرة المتتالية, وهي المدرسة التي تتفوق بها الولايات المتحدة الأمريكية, وتحاول اغلب الدول المتقدمة الاخذ بها.
إن الحديث عن ضرورة وضع فروض لبدائل التنمية في العراق, وعدم الاعتماد على النفط كمورد للبلاد, وفي ضرورة تفعيل الموارد الأخرى, فيه ما يكفي من إثارة مخاوف المواطنين من مستقبلهم الاقتصادي, خاصة مع بروز تلميحات رسمية بان تلك المخاطر بدأت تلوح في الأفق القريب, وقد يتجلى بظهوره على الساحة في غضون العام 2010, في حال عدم الأخذ ببدائل التنمية, التي تعني في إحدى أبعادها تغيير نمط استهلاكي اعتاده المجتمع منذ عقود, من خلال إيجاد بدائل للنفط الذي تهاوت أسعاره.. ونجد هنا ان تلك صياغة تلك البدائل لابد أن تأخذ في الاعتبار مسالة إيجاد عنصر رابط ووضع أسس المشتركات بين متغيري: من يقوم بإيجاد تلك البدائل.. من يخطط لها ويحددها وينفذها؟. من المستهدف منها في حال الأخذ بها, و البدء بتنفيذها على ارض الواقع, وهل يرتبط هذا الأخذ بموجبات لتعديل أنماط أو عادات للمستهدف للتعامل مع نتائج استعمال تلك البدائل دون أن تصاحبه مخاوف من التعامل مع ما هو جديد بالنسبة إليه, خاصة مع تلك التي تعالج ابرز احتياجاته اليومية؟. بين الحكومة والأفراد
إن حقيقة أن يكون التطور التكنولوجي لوسائل الاتصال, قد وقف خلف جميع المتغيرات التي اتسم بها المجتمع المعاصر... لدرجة انه أضحى ( أي المتغير التكنولوجي ) احد أبعاد الوجود الدولي برمته, سواء في موضع الوحدات السياسية والاقتصادية من طبقات الدول... وبالتالي وزنها الحقيقي في تسيير العلاقات الدولية, أو في كونه احد عناصر الحياة والنشاط الدولي بشكل عام, تفضي إلى وجوب أن يلعب الإعلام العراقي دوره الفاعل في إيجاد المشتركات بين عناصر إيجاد تلك البدائل, لأهميتها على جميع الأصعدة, ويزيد من موجبات على وفق بعدين:
من جانب الأنظمة الحاكمة: إذ صارت الممارسات المختلفة بحاجة غير ممكن التغاضي عنها إلى الإعلام لإيضاح خيارات النظم المختلفة. من جانب الأفراد العاديين: مثلما الجمهور بحاجة – هو الآخر – للإعلام للإبلاغ عن ردود أفعاله إزاء تلك الخيارات.
ونرى إن التحولات الحديثة للعملية الإعلامية قد زادت من أهمية ( الأفراد العاديين ) فيها, إذ إننا نتفق تماما مع ما قاله زميلنا في البوابة العربية لعلوم الإعلام والاتصال, والتي يشرف عليها, الدكتور صادق ألحمامي ( أكاديمي إعلامي في تونس ) في معرض تقيمه لما اسماه ( المجال الإعلامي العربي ): إن المجتمعات العربية – بشكل عام – عاشت تحت وطأة نموذج لإعلام جماهيري لا متكافئ جسدته هيمنة القناة التلفزيونية الوطنية الواحدة, ثم بدا هذا النموذج في الانحلال تدريجيا بسبب ما أتاحته التقنيات الحديثة من إمكانيات وافرة لتلقي مضامين إعلامية جديدة , وفي حين كانت الخطابات المتشائمة تطلق صيحات الفزع المتتالية من ( الاختراق الإعلامي ) و ( العولمة الثقافية ), كان المجال الإعلامي العربي يتشكل ببطء حتى أصبح اليوم فضاء تتصارع داخله قوى عديدة ومتباينة باحثة فيه عن موقع تمركز لها.
كما شهدت نهاية تسعينات القرن الماضي استخداما متعاظما للانترنت والتقنيات الحديثة للإعلام والاتصال, فتكاثرت على الشبكة المواقع الإعلامية والتواصلية, وظهرت برامج ومضامين لم نعهدها من قبل: قنوات تحولت جزئيا أو كليا للتحاور والتراسل وبرامج تفسح المجال لأفراد مغمورين للمجاهرة بمشاكلهم الشخصية وبرامج أخرى تعطي الكلمة للمشاهدين لا غير, وصنف أخر جعل من هؤلاء المغمورين نجوما يحسم الجمهور – أنفسهم – في قضية إقصائهم أو إبقائهم.
وهو ما يعني بالنتيجة - على وفق اعتقادنا - إن مهمة إيجاد أسس للمشتركات ضمن الإطار الديمقراطي, وصولا إلى تحقيق أهداف النهوض والتنمية, بعيدا عن اعتماد العراق على إيراداته النفطية وفقا لما تنادي به وزارتا التخطيط والمالية, وفي هذه المرحلة بالذات, والتي يجري الحديث فيه عن احتمال وقوع ( أزمة اقتصادية ), ذات امتداد امني واجتماعي, يمكن لها أن تبدأ عبر أدوات الإعلام وقنواته, وعلى وفق معايير الموضوعية والحريات الإعلامية المسؤولة والبناءة للمجتمعات الحديثة.. لكن السؤال: كيف يمكن يكون ذلك؟
إدارة للتخطيط الإعلامي
في هذا الصدد نجد إن تشكيل ( إدارة حكومية لتخطيط الإعلامي الإنمائي أو المالي), ذات صلاحية وإمكانيات واسعة هي خير من يمكن أن تقوم بالتصدي لعملية تحديد أسس ومشتركات بين المخطط المالي والإنمائي بعناصره وأدواته الساندة من قطاعات مختلفة وشركات وقرارات واليات... وبين الفئة المستهدفة بالنتيجة من هذا التخطيط, والتي تتمثل بالجمهور ( المواطنين ), لتنقل هي الأخرى ردود أفعالهم إلى الجهة واضعة أسس التخطيط ومحددة أهدافه ( الوزارة المعنية ), وترتبط الإدارة المقترحة بالوزير مباشرة, وتعمل على وضع خطط إستراتيجية إعلامية تهيئ وترافق أية إستراتيجية يجري استحداث تنفيذها أو إنها في الطريق إلى تنفيذها لشرح أبعادها وملابساتها, وبذلك يمكن أن تمثل تلك الإدارة دور المراقب أو المقيًم للإستراتيجية المنفذة من خلال قياس ردود أفعال المواطنين.
وتعمل تلك الإدارة على توفير المعلومات و الشروح ونشر البيانات الصحافية لوسائل الإعلام المحلية عن الإستراتيجية معرض التنفيذ, وان تعمل على إجراء دعوات غير رسمية دورية للصحافيين للتداول في عدد من الأفكار التي تشرح لتلك الاستراتيجيات في حال تعاملها مع قضايا هامة وذات تماس مع حياة ويوميات المواطنين, في مسعى لا يترك مجالا للتشكيك أو التأويل, من قبل وسائل الإعلام, أو المعارضين السياسيين أو النقاد غير الموضوعيين في المجالات المختلفة الذين يتحدثون عبرها.. ويمكن إن يتسبب سوء تفسيرها بـ ( أزمة ), كما كان قد حصل مع قرار إرجاء صرف فروقات رواتب الموظفين للأشهر الأخيرة من العام الماضي, على وفق سلم الرواتب للعام 2008, وما أحدثه من تضارب التصريحات من ردود أفعال بين عامة المواطنين, ويعزز من خطورة تضارب تصريحات المسؤولين في القضايا التي تعد في رأس هرم احتياجات الأفراد في مجتمع ، النظرة التقليدية للناس العاديين: إن الإعلام صورة مصغرة عن المجتمع، وعن توزع القوى والسلطة فيه، وهو يعمل في ظل أنظمة (اجتماعية وسياسية واقتصادية) تتغذى منها وتغذيها, وهو ما قد يضعف من ثقة الفرد المتلقي بالجهاز الإداري والاقتصادي الحكومي برمته.
ويمكن لتلك الإدارة أن تعمل على رصد تصريحات المسؤولين الصحافية المتضاربة ضمن وزارتها, خاصة تلك التي تصدر عن غير المخول لهم بالتصريح, فضلا عن ما يتوقع إن يحدثه الحديث عن مخاطر الاعتماد ألحصري على النفط كمورد للبلاد في غضون عام واحد فقط من ردود أفعال ومخاوف على الصعيد الجماهيري, وأورد هنا ما أشار إليه الدكتور علي بابان وزير التخطيط: (إن العراق يجب أن يكبح اعتماده على إيرادات النفط وان يحفز الاستثمار في الزراعة والصناعة وإلا واجه أزمة اقتصادية حادة إذا ظلت أسعار النفط منخفضة... وإن الاستثمار الخاص من العراقيين بالداخل أو الخارج ومن الأجانب يكتسب أهمية حاسمة بصورة متزايدة لضمان إلا يقوض الانهيار الاقتصادي المكاسب الأمنية التي تحققت على مدى العام المنصرم, إذ توجد مخاطر كثيرة وللأسف توجد تهديدات كثيرة للوضع العراقي. لكن تهديد الانهيار الاقتصادي يعتبر ضمن أكثر التهديدات خطرا وحدة انه ليس أمرا ملحا الآن لهذا العام. لكنني اعتقد انه إذا استمر التراجع في إيرادات النفط فسيكون التهديد خطيرا. سنواجه وضعا حرجا جدا في 2010 ), خاصة مع استحالة تغيير أنماط الاستهلاك للأفراد في غضون أشهر!!.
خط التماس مع الأزمة
ويزيد من الحاجة إلى ( إدارة تخطيط الإعلام الإنمائي ), إن الإعلام يشكل خط التماس الأول للتعامل مع الأزمة – قبل وأثناء وبعد وقوعها - إذ أثبتت الدراسات الحديثة المتعلقة بالرأي العام وبشكل قاطع تزايد تراجع التجربة الشخصية المباشرة للفرد المعاصر ( خبرات حياتية سابقة ) للتعرف على الواقع والحصول على المعلومات والمعارف الضرورية لتكوين الرأي العام وتحديد الموقف وبالتالي تقرير السلوك, وأرجعت ذلك إلى اتساع القضايا المثارة وتعدد وتنوع الحاجات الإعلامية للفرد والتطور التكنولوجي وطبيعة الحياة وإيقاع العصر وهو ما إلى تزايد الدور الوسطي الذي تلعبه وسائل الإعلام, مشيرة إلى انه: يمكن القول إن ما تقدمه وسائل الإعلام وليست التجربة المباشرة هو الأساس اليوم تكوين معارف الناس وقيم وآراء الناس وبالتالي تحديد اتجاهاتهم ومواقفهم و من ثم سلوكهم.
ولان الأزمة تعبر (( عن موقف وحالة يواجهها متخذ القرار في إحدى الكيانات الإدارية ( دولة، مؤسسة، مشروع )، تتلاحق فيها الأحداث وتتشابك معها الأسباب بالنتائج ويفقد معها متخذ القرار قدرته على السيطرة عليها أو على اتجاهاتها المستقبلية, وتعرف بأنها الخلل الذي يؤثر تأثيراً مادياً على النظام كله، كما يهدد الافتراضات الرئيسية التي يقوم عليها هذا النظام, أو حدث أو موقف مفاجئ غير متوقع،يهدد قدرة الأفراد أو المنظمات على البقاء.. وهي كل ما لا يمكن توقعه أو التفكير فيه، سواء من أحداث أو تصرفات تؤثر وتهدد بقاء الناس ومنظمات الأعمال, وتعد موقفا غامضا في حاجة إلى تفسير, كما أنها الموقف الذي تتضارب فيه العوامل المتعارضة, وهي لحظة حرجة حاسمة تتعلق بمصير الكيان الإداري الذي أصيب بها، وهي تستلزم توقف الأحداث المنتظمة والمتوقعة واضطراب العادات والعرف، مما يستلزم التغيير لإعادة التوازن ولتكوين عادات جديدة أكثر ملائمة )), فان للإعلام الدور الأبرز في مواجهة الموقف الذي يعترض متخذ القرار ويشرح الغموض الذي قد يكتنف هذا الموقف أمام الجمهور.
ويشير في هذا الصدد أستاذ الإعلام في جامعة دمشق د. أديب خضور إلى إن الأبحاث الإعلامية التي تعرضت للتأثير المتبادل بين الأزمة والإعلام, خلصت إلى أن ظروف الأزمة تؤدي إلى:
أهمية الدور الوسطي الذي تقوم به وسائل الإعلام وخاصة فيما يتعلق بإنجاز المهام التالية: تقديم المعلومات. شرح أهمية ومغزى الأحداث. بناء الوفاق الاجتماعي. تخفيف التوتر والقلق. هناك من يرى إن الأزمة تؤدي إلى دعم ومساندة ادوار وسائل الإعلام, وخاصة فيما يتعلق ببناء الوفاق وتخفيف التوتر, كما إن هناك من يرى إن ظروف الأزمة وما تفرضه من تدخلات وقيود وإجراءات سوف تؤدي إلى تحجيم دور الإعلام, وخاصة فيما يتعلق بتقديم المعلومات وشرح مغزى الأحداث وأهميتها بذريعة عرقلة المجهود الحربي تجذب الأزمة اهتمام وسائل الإعلام ولكنها تجذب بالمقابل اهتمام الرأي العام بوسائل الإعلام الذي يصبح أكثر تعرضا لها.
إن المهمة الأبرز للإدارة المقترحة هي المساهمة الفاعلة في التخطيط لوسائل الإعلام العراقية الملتزمة بمبادئ الحريات الصحافية الراعية للمسؤوليات الاجتماعية, على وفق وظائف التنمية والتوعية والإرشاد.. فمعلوم أي تخطيط حديث للوظائف الإستراتيجية التي يتولى انجازها ضمن المراحل المرسومة لها, في الإخبار والتثقيف والترفيه والتعليم والتنمية وغيرها, والتي يبدو إنها لا تنتهي في إطار زمني محدد, إنما تتجدد وتتطور باستمرار, وفقا لدوافع القائم بالاتصال وأهدافه, وواقع ومتطلبات العمل البرامجي والتطورات التقنية والإعلامية التي يتم التعامل.. وفي عصر المعلومات والفضاءات المفتوحة, يتطلب دوما تشخيص الاحتياجات والمستلزمات الأساسية التي تساهم في توفير الوقت والجهد والمال في عمليات التنفيذ وجمع المعلومات وتحليلها وتبادلها, بهدف رسم الخريطة الإعلامية بما يغطي تلك الأهداف, وهي توصية نضعها بقوة أمام كل وزارة معنية بتحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين الوضع المعيشي في العراق. |
| < السابق |
|---|








صفد حسام الساموك










