|
جميل صدقي الزهاوي :1863 – 1936 جميـل صدقي الزهــاوي فيلسوف العراق الكبير في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وشاعرهـا في بداية القرن العشرين وحتى وفاته عام 1936.. تميز منهجه الفلسفي بالإستناد إلى علم الطبيعة والظواهر وخاصة نسبية انشتاين ومنهجه الإجتماعي بالتحرر واحترام المرأة وتقدير دورها في بناء الوطن وشعره بالواقعية ورقة المشاعر ونبل الآراء وجرأة القول والتحريض على التحرر من قيود الدين والتقاليد والمفاهيم المتخلفة وعلى تبني الفكر الإشتراكي.. كان الزهاوي محبوبــاً كشاعر ومعلم وفيلسوف وإنسان في الأوساط الشعبية والأدبية والسياسية النهضوية في بلاد الشام ومصر والبلدان العربية الأخرى فضلاً عن مكانته الكبيرة لدى الشعب الكردي، فهو ابن لأبوين كرديين من بغــداد. وقد كتب فيه طه حسين: " لم يكن الزهــاوي شاعر العربية فحسب ولا شاعر العراق بل شاعر مصر وغيرها من الأقطار.. لقد كان شاعر العقل.. وكان معري هذا العصر .. ولكنه المعري الذي اتصل بأوروبا وتسلح بالعلم.." الفكر المادي واتساع الأفق والإيمان بقوى الطبيعة والتسلح بالعلم عند الزهــاوي سببها استيعابه لمفهوم اللانهاية في الكون، لقد قــــال: لا تقبــل الأجـــــرام عــدا كلا ولا الأبعــــــاد حـــــدا إن المجــــــرة لـم تــــكن إلا عــــوالم فـُقـْن عـــــدا والسحب فيهـــا أنجــــــمٌ هـن الشموس بَعـُدن جـدا والأرض بنت الشمـس تلـزم أمهــا جريـاً وتحـْـدى وتــدور في أطرافهـــــــا مشــدودة بالجذب شــــدا ويـدور محورها تـوجـه نحــو نــور الشمــس خــدا ويؤكــــد: تحوي السماء نجومــــاً ذات أنظمة من الشمــوس كثاراً ليس تنحصـــر نخــالها ثــــابتـات وهي مســـرعـة كأنهــا الخيـل في البيــداء تحتضـــر أما نتيجة هذا المستوى الرفيع من فهم المادة والكون فقد انعكس تماماً على مواقفه من المجتمع والعادات والحياة العامة. كان الزهــاوي نصيراً عنيداً للمرأة وكتب في حريتها ومساواتها بالرجل الكثيرَ من النثر والشعر. إحدى مقالاته في الدفاع عن المرأة نشرت في عام 1910 سببت له المتاعب وانتهت بتسريحه من وظيفته في إحدى مدارس بغداد وشن حملات كبيرة من قبل الكتاب المتشددين الذين وصفوه بالمارق.. قصـائده في تحـرر المرأة كـانت أشد وقعـاً على الرجعيين والمتخلفين.. في مقالته المذكورة أعـلاه عبر الزهاوي عن اعترافه الكامل بدور المرأة الهام والكبير في الحياة الأسرية والمجتمع وبناء الوطن وأشار إلى مساوىء المفاهيم السائدة التي تحط من قدرها وتظهرها كمتاع يمتلكه الرجل ويفعل به ما يشاء ويحق له التخلي عنه أو استبداله متى رغب في ذلك، تلك المفاهيم التي لا تعترف للمرأة بمقوماتها كإنسان وبالتالي بحقوقها البشرية.. و استشهد بأمثلة من نمط الحياة الأوروبية التي تتمتع المرأة في ظلها بحريتها مما يجعلها عنصراً فعالاً مساهماً في بناء المجتمع والحضارة ويوفر لها الكرامة الإنسانية واحترام كامل حقوقهــا.. في حين يرى بـان الدين الإسلامي أجـاز قسوة الرجل على المرأة وسمح له باعتبارها سقط متاع فلا رادع عنده من أن يكيل لها اللعنات والشتائم واللكمات ويعيدها إلى بيت أهلها مطلقة محرومة من الحياة الهادئة المستقرة.. وتساءل الزهاوي عن العدالة المزعومة في حق الرجل بتعـداد الزيجـات وفق معيار كمـي وبإعلان الطلاق متـى شـاء وحرمان المرأة من هذا الحق.. وأشار الشاعر والفيلسوف الكبير إلى الظلم المتعدد النواحي الذي تتعرض له المرأة إضافة إلى الزواج والطلاق.. فحق الميراث وقيمة الشهادة وشروط المظهر خارج المنزل وأسهـامها في الشأن العـام تثبت امتهاناً كبيراً للمرأة تبدو معه عبـدة لا وزن لها ولا حقوق.. أما في السماء فليس الأمر بأفضل.. فللمرأة المؤمنة في رحاب الجنة زوجها في أحسن الحـالات بينما لـه من حور العين سبــــعون إلى سبعيــن ألف ما يكرس اعتبار المرأة ملكاً ومتعة لا أكثر يكافأ الرجل بها، متـى حق له ذلك، وبالمعيار الكمـي أيضــاً.. عن حجاب المرأة وتسترها أمام الرجال تحدث الزهاوي مبيناً أن في الأمر امتهان فظيع لها وتكريس لثقافة الخوف والضعف والخيانة وانعدام الثقة بين بني البشر ومحدداً سلبيات الحجاب على كافة الأصعدة وإيجابيات السفور التربوية والإجتماعية وانعكاسه على قدرة المرأة على التفاعل مع الرجل في تطوير المجتمع وبناء الحضارة.. كان الحجــاب يسومها خسـفأ ويرهقهـا عـذابــا إن الأ ُلى قد أذنبــــــــــوا هـم صيـروه لها عقـــابـا وسيطلب التاريخ من ناس لها ظلمـوا الحسـابا ويضيـف في قصيـدة أخرى: مـزقـي يا ابنة العــراق الحجــابا واسفـري فالحيـاة تبغـي انقــلابـا مـزقيــــــــــه واحرقـيه بلا ريــث فقــد كـــــــــان حـارسـاً كـــــذابـا لقـد أثار الزهـاوي واقع وصور اضطهاد الرجل للمرأة في المجتمع العراقي وسلوكية العنف والإرهاب التي تمارس بحقها والإستهتار بإنسانيتها وتعامله غير اللائق مع العذوبة والرقة الأنثوية: ما أتعـس الحسنـــــــــاء يمـلك أمرهــا الــزوج العنيـــف وهو إذ يرى في الشرق استهانة بقدر المرأة وتهميشاً لها خارج حياة العمل والعطاء والإبداع ومشاركة الرجل في تطوير المجتمع وبناء الوطن فإنه يقارن الحال بما هو عليه في الغرب حيث للمرأة احترامهـا ومكانتهـا وفرصها المتكافئة مع فرص الرجل وبالتالي تمتع المجتمعات الأوروبية بإسهام الجنسين بالعمل والبنــاء وإضفاء مظاهر الطبيعيـة والتحضر والرفاهية على الحياة الإجتماعية: في الغرب حيث كلا الجنسين يشتغل لا يفـْضل المرأة َ المقدامةَ َ الرجــل ُ كلا القرينيــن معتـز بصــــــــــاحبه عليه إن نـال منـه العجزُ يتـــــــــكل وكـل جنس لــه نقصٌ بمفـــــــــرده أما الحيــاة فبــــالجنسيــن تكتمــــل أما العـراق ففيـه الأمــــر مختلـــف فقــد ألـم بنصف الأمـــة الشلــــــــل ويقارن بحسرة تطور الغرب وسعي أبنائه إلى التقدم في حين يغط شرقنا بالسبـــــات العميق: الشرق ما زال يحبو وهو مغتمض والغرب يركض وثبـاً وهو يقظـان والغـرب أبنـاؤه بالعلـم قد سعــدوا والشرق أهلوه في جهل كما كانوا ويرى أن السبب الرئيس في نقص حياتنا واكتمـال الحياة في الغرب هو موقع المرأة في المجتمـع: وكـل جنس لــه نقص بمفـــــــــرده أما الحيـاة فبــــالجنسيــن تكتمــــل ذلك الموقع الذي يجعل الناس مشغولين بالعمل والإبـداع والإنتـاج الوفيـر بينما نحن مشغولون بالترهات وبتبادل الإتهام في قضايا الديــــن: الغـرب يشغلـه مــــــال ومتربــة والشــرق يشغلـه كفـــرٌ وإيمـــان ولذلك نحن ضعفـــاء وقريبــون من الهوان: الغـرب عـزٌ بنــوه أينمــا نزلــوا والشــرق إلا قليـلاً أهلـُه هـانـوا ولكنه لم يفقد الأمل بنهضة العرب إن هم استيــقظوا: سترقى بلاد الشرق بعد انطاطها لو ان بنيــها استيـقظوا وتعلمـوا يـزول تمـاماً ما بها من تـــــــأخر لو ان حكـومات البـــــلاد تـُنظـــم وفي معرض آخــر يعيد تأخر العرب إلـى التعصـب والتمسـك بمفاهيم الماضي المتخلفة وبمواقف الرجال الأنانيـة من المرأة بالتحديــد، تركت آثارها السيئـة على كل شيء: هــو التعصب قـد واللــه أخَّـركــمْ عن الشعوب التي تسعى فتقـترب وفي الزواج غير المتكافيء من حيث السن ولا القائم على أساس من المودة والحب والإحترام والإعتراف للمرأة بإنسانيتهــا يصور الحياة الجحيمية وما تمتليء به من مآس: كـم قـد تــزوج ذو الستين يــافعـة ً والشيب في رأسه كــالنـار يشتعـل يقـضـي لبانتـَـه منهـــــا إلى أجــل وقــد يكـون قصيــراً ذلك الأجـــــل ولا يبــالي بحـبل الــــــود بعـد ئـذ أكان متصـــلاً أم ليـس يتصــــــــل تزوجتْ وهـي لا تـدري لشقوتهــا أزوجـُهــا أحـد الغيـــلان أم رجـــل يسبهــا لا لذنــب ثـــــــم يركلــــها بالرجـل منـه مهيــناً وهي تحتمــل وبعـد ذلك يعــــــدو كالنعــــام إلـى أصحابــه وهو ممــا جـاءه جـــزل ولــم تكـن أربـعٌ يشبــعـن نهمتــه والذئب يشبعــه من جوعـه حمـــل وهو يجـد في مستندات المجتمـع المتخلف سبـباً صريحـاً لاستمرار مظاهر قهر النساء واضطهادهن وحرمانهن من الحرية والمساواة: وددت من كــل قلبـي غير مختشــع لـو عـاد يـومـاً علـى أعقـابـه الأزل فأســألُ اللــهَ تقديـــــراً يغيـر مــــا قضــــاه قبـْـلاً فـلا ظلـمٌ ولا دخَــــل وأحد أكثر مظاهر قهر المرأة يتجلى في سهـولة الطلاق عند الرجـل، والعصمة في يـده، يلوح به حينمـا يشــاء وتحت أية حجـة أو حالة دون رادع أو تحسب لمـا يتركه هذا العمل الأنـاني من إهانة للمرأة وتحطيم للأسرة وبؤس وحرمـان: وقـد يطلقــها فـي حــانة ثمــــــــلاً وليـس تــدري لمــاذا طلـق الثمـــل الظلم الواقـع على المرأة كمـا يراه الزهــاوي يبدأ في البيت وهي طفلة عنـد أهلهــا الذين أرضعوها الخوف والدونية مع حليب الطفولة وهيؤوهـا للزواج المبكر القسري في حالة تشبه بيع النعـاج بعيـداً عن أية قيمة إنسانية وفي بيئـة متخلفة ظالمة تتكرس فيهــا كل أشكـال العبودية والقهر : لقـــد روعـوها ثم نـامت عيــونـهـــمُ وليـس ســواء نــــــــائمٌ ومـــــروَّع وقـــد زوجــوهـا وهي غير مريـــدة بشيــخ كبيـــر جــاء بالمـال يطمـــع وفـي الــدار أزواج لـه غيــر هـــــذه ثــلاث فـودَّ الشيـــخ لو هـن أربــــع تضـاجعــه في البيت وهــو كـأنــــــه أبــوهـا فـقـل في أمرهـا كيف تصنع هنــاك ستشــقى أو تمــوت كئيبـــــة على أن مـوت المـرء في الهـم أنفع هناك سيبدو اليأس والبؤس والأسى لهــــــــا وتـلقــاها المصـائب أجمـع وفـي قصيـدة أخرى ينتهي الأمر بمأســاة حقيقيــة: جلـوهـا عروسـاً بعد سبـع فزمـروا وفي مرح الأفـراح خبـوا وأوضعـوا جلوهـا عروسـاً ما بهـا من غُمَيـزة سوى صفرةُ فــوق الأسيليــن تلمـع وزُفـَّت إلى الشيخ الذي لشقــــــائها أتـــى طــالباً كيمـا بهــــــا يتمتـــــع فقــالت له لا تـدنُ يـاشيـخ راغبــــاً فأنت أبــي بل أنت فـي الســن أرفع فإن كــان منك الشيبُ ليـس بــرادع لجهــلك يـا هـــــــــــــذا فإنـيَ أردع ولكــن مـا بالشيـخ من شهـوة غلت أبى أن يَعـافَ الشيـخ ما هـو مـزمع فقطـَّب منـه الوجــهَ ينفـخ غــاضبـاً ومـــد يديـه جــاذبـاً وهـــي تـدفــــع يقـــول لهــا (أسماء) أنت حليلتـــي ولا بــد مـــن أن الحليــــلة تخضــع أحلــكِ لــي ربُ السمـــــاوات إنـــه حكيـــم وإن الحق مــا هـــو يشــرع فلمــا رأتْ أنْ لا منــاص يصـونهــا من الشيخ لما أوشك الشيخ يُصـرع أحالــــت علــى كأس هنـــاك معـدةٌ من الســم واهتشــت لهــا تتجــــرع ومـاتت (أسمــاء) وبكــتهـا أمهــا وبكى أبــوها نـادماً.. وهيهــات أن ينفع الندم بعدمـا حلت الفاجعة وتحـولت الفتــاة إلى جثة هـامدة لم يبق لهــا سوى ما يغطي جسدهـا من أزهار الربيــع: فلمـــا بـدا صبــحٌ وشاعتْ فجيعـــةٌ وصـاح بها الناس والناس أسرعوا أتتْ أمُّهــا تجثو إلى الجنب رأسهــا وتلطم حــرَّ الوجـه والوجــه أسفـع وعـضَّ أبــوهـا للنـدامة كفـــــــَّـــه ومــا أنْ لــه هذي النــدامة تنفــــع وهو إذ ذاك لا ينسى أن يخبرنا بأن أسماء فتـاة ذات قلب ومشاعر وقـد كان في قلبها خفقات حب لشاب هام بهـا ولكنـه حُرم من أبسط حق له في الحيـاة وهو أن يحظى بحبيبتـه فيعيشان حيــاة سعيدة متكافئة: أكـب (نعيــم) بــاكيــاً فــوق قبرهــا وقـــال فأبكــى كلَّ من كــان يسمــع وعــادوا بـــه ذا رجفــة يسنــدونـه بهم ليس فيــــه للسلامـــة مـوضـع فعــاش سقيـم الجسـم خمسة أشهر ومـات.. كـذاك الحب بالناس يصنع فـواروه في قبــر يجــاور قبرهـــــا على ربـــوة.. إنـا إلى اللــه نرجـــع هكذا صور الزهــاوي المجتمــع العراقي المتخلف تكبله قيـود المفاهيـم الرجعية والموقف اللاإنساني من المرأة ومن التحرر الإجتمــاعي.. وهو إذ يضع الإصبـع على الجراح في مرحلة مبـكرة نسبيــاً فإنه يرى أن الخلاص من هذا الواقع السيء ممكن والنهوض بالوطن والمجتمع ممكن بشرط التخلص من أسباب ومسوغات الظلم والتمييز المفروض على المرأة الإذعان لهمـا والخضوع للرجل على أساس هذه المسوغات.. إنـه، لقناعة راسخة عنده مبنية على أسس ومعايير إنسانية أثبتت الحضارة صحتهـا وجدواهـا، فخـور بدفـاعه عن المرأة وبربطـه تحرر الوطن وتقدمه بتحرر المرأة.. وقـد عرف الزهـاوي بين شعراء وفلاسفة وسياسيي العراق ومصر وبـلاد الشام بموقفه المتميز والصريـح تجـاه مسائل المرأة والدفاع عن حقوقهـا وقد قيل عنه الكثير.. فهذا الدكتور عبد الرحمن الشهبندر يقـول في تأبينه: " إذا أردنـا أن نكبر الزهــاوي ونخلد ذكـراه فعلينـا أن ننشيء باسمه في مسقط رأسه مدرسة للإنـاث يعلمن فيهـا من فنـون الأدب والعلم..." دفاع الزهـاوي عن المرأة جلب له المتاعب وقد هجـاه لذلك كثيرون فيما لم ترقْ لأصدقـائه حملات الحاقدين.. فولي الدين يكن قال راداً هجوم المتشددين على الزهـاوي لشعره في تحرر المرأة: ألا قد بغـــت هذي العمــائم بغيهــــــا فـدارت علـى القـوم الكـرام دوائـــره بـأي كتــــاب أم بـأيـــة سنــــــــــــــة يجـازى على قـول الصـواب معـاشره بـأي كتــــاب أم بـأيـــة سنــــــــــــــة يريــدون طـي الحـــق إن قـام نـاشره سـلام على الدنيا سلام على الــــورى ســــلام علـى العهـد الذي قـل شـاكره ولكنه نـال بالمقـابل الكثير من المديح من قبل شعراء شاطروه الآراء التقدمية مثل معـروف الرصـافي: ومـا الآداب فـي بغــــــــــداد لـــولا يـــراعَ جميلـهــــــــا إلا دعــــــاوي إذا مـا قــــال فـي بغــــــــداد شعـراً رواه لـــــــه بأقصـى الأرض راوي أعيــذك يـا جميـــل الشـــعر مـن أن يســوءك نقـد أربـاب المســــــــاوي وليسـوا محوجيـــك إلـى معيـــــــــن وهـم مـا بيـــــن مهزول وضـــــاوي فنفـخ منـــك يجعلهــــم هبـــــــــــــاء ويسقطهـــم إلى سفـــــــل المهـــاوي ومـــا احتــاج القـوي إلى معيــــــــن إذا كـــان الضعيـــــف هـو المقـــاوي وبـــدوي الجبـــل، يحييه في دمشق ضيفـاً عزيـزاً ويحيي العراق فيه ويؤكـد تأييده للزهـاوي في فكـره الكفاحي: يــاشـاعر التــاج المضيء علـى جبيـن أغــــر فـاتح وفتـى القريحــة أعطيت عرش الإمـارة في القـرائح طيــب العـراق وإنـه للمسـك مـن برديـــك فــــــــائح أهــوى العــراق وإن تكن طــاحت بسؤدده الطــوائح حــدث فقـد طــاب الحـديث ونــام عن نجــواه كـاشح واذكــر لنـا عبر الحيــاة فأنـت مـأمـــــون النصــائح هـذي الحيــاة لمـن كالليث مرهــــوب الجوانـــــــــح والعيـش معنــــاه الكفــــــاح وهــالك مـن لا يكـــافح لقد أحب شعراء الشرق جميل صدقي الزهـاوي ولم يفوتوا فرصة لإظهـار إعجـابهم به فكراً وشعراً وفلسفة وشخصية أيضــاً وهـو لذلك متفائـل رغـم مـا أحاط به من متاعب طالمــا الأمــل بـاق في النفـوس: تبقــى الحيـاة على الأرزاء طيبـــةً مـادامت النفــس بالآمــــال تتصـل ومن لم تأته فرصة مديح الزهـاوي ومكانته الكبيرة في حياته أبنـه ورثــاه كمـا يستحق.. من بشارة الخـوري إلى علي الجـارم والجواهري وغيرهم.. محمد مهدي الجواهري قـال قصيدة رائعة في رثــاء الزهـاوي مطلعهـا: على رغم انف الدهر ذكراك خـالد تــرن بسمع الدهـر منك القصــائد ومؤكـداً المكـانة الفكرية والعلمية الكبيرة للزهـاوي والتي كان يتمنى أن يستفيد الوطن والمجتمع منها أكثر قفل قصيدته قائلاً: أضـاعوك حيــاً وابتغــوك جنـازة وهذا الذي تأبــاه صيـــد أمـــاجد ربـط الزهــاوي رؤيتـه للطبيعة والحيــاة والمجتمـع بصدق أحـاسيسه وبالتصـاقه الشـاعري بالطبيعة النقية السـاحرة والقويــة والكريمـة.. وهو لذلك يحب الغزل ويعشق الفن والغنـاء على الأخص.. أحب أم كلثــوم وعبد الوهـاب وغيرهمــا.. وقــال في أم كلثوم لدى زيارتهــا بغـداد سنة 1932: الفــن روض أنيـق غير مســـؤوم وأنـت بلبـلــــــه يـــــا أم كلثـــــوم لأنت أقــدر من غنـــى بقـافيــــــة لحنـــاً يرجعــه من بعــــد ترنيـــم إني أخـاف افتنانـاً فيـه مفتضحـي فــإنمـا أنـا شيــخ غيـــر معصـوم سلـي بـي القوم قبل اللـوم باحـثـة وبعــــد ذلك يــا لوامتـــي لـومــي لا تفزع الكاعب الحسناء مـن كلمي فإن نصــل سهــامي غير مسمـوم ويضيف ابن الخمسة والستين عـامـاً دون حـرج: يــا أم كلثــوم غنـي فالهوى نغــــمٌ تلــذه الشيب والشبــان كلـــــــــهمُ من أجل صـوت رخيم منك يسمعه يـا أم كلثـوم جـــاء الجمع يـزدحـم قد هــزه صـوتك المــوار يطربـــه فهاج كالبحـر ذي الأمـواج يرتطـم أشعار الزهــاوي في العلم والفلسفة والمجتمع وقصائده في فضح الإحتلال العثمـاني والمرتبطين به سياسة وثقافة لم تمنعه من قـول الغزل والتفنن في وصف الطبيعة والتعايش الرومانسي مع القيم الجمـالية.. وأعـاد الشحـرور ألحــانَ وجــــــدٍ طــائراً مـن نهـد هنــاك لنهـــــــــد بيـن نبت يضــور عرفـــــــاً وورد مـن خزامـى ويـاسمين ورنــــــــد وشقيــــق ونرجـــس وعــــــــرارُ قرب جــورية يفـــــــوح شـذاهـــا ذات لـــون مـن السمـــاء أتاهـــــا في شعاع من الشمس طبق هواها قبلـت فــاه وهـو قبــــل فـاهــــــــا لتــــلاقٍ مـن بعــد شحـط المـــزار إن حســن الربيـــع للعين فـاتـــــن كـم بـه من زهــر كثيـر المحــاسن غـير أن الزمـــان يـاقـوم خـــــائن فـلأزهـــاره جمـــال ولكـــــــــــــن هي آه قصيـــــــــرة الأعمـــــار لقـد كانت للزهـاوي صداقات وعلاقات مودة انطـلاقـاً من أرضية التفاهم الفكري مع العديد من أبرز الشخصيات الأدبية والفكرية والنضـالية في مختلف بلدان العـالم.. لقد قـال في طاغور، شاعر الهند الكبير وشاعر الحب والسلام وكان له صديقاً.. وقـال في جبران خليل جبران وأحمد شوقـي وفي أم كلثــوم وعبد الوهـاب وغيرهـم.. كمـا كتب لعظمـاء راحلين، كمـا هي الحـال في المتنبي وتولستوي وفي المعري أيضاً حيث قال مؤكداً التأثر الكبير به: إنـي تتلمـذت فـي بيتــي عليك وإن أبــــــلت عظـامـك أدهـار وأزمــان تتوج أعمــال الشاعر والفيلسوف الحكيم جميل صدقي الزهــاوي ملحمتــه الشعرية الخالدة (ثـورة أهل الجحيم) وهي ملهـاة حوارية شعرية خيـالية فلسفية واجتمـاعية ألفهــا وهو في بداية عقده السابع عـام 1929 يقـاوم بعنفوانه ملامح الشيخوخة التي داهمته والمرض وتباشير العجز بالمزيد من المرح وروح الفكــاهة والمجون، يعرض فيهـا رؤاه وفلسفتـه ونظرته للحيـاة وأدبهـا والنـاس ومعتقداتهم من خـلال سجـل زيـارته للجحيــم والنعيــم على طريقة أبي العـلاء المعـري في (رســالة الغفـران) ودانتـي في (الكوميديـا الإلهيـة)... لقـد أراد الزهــاوي، كمـا يقـول الأستـاذ أمين الريحــاني، أن "يشعل أنوار العقـل والعـدل والحب الإنسـاني على شواطيء الشك والتهكــم".. و(ثـورة جهنميـة)، وإن كانت تشبه إلى حـد مـا رسـالة المعري أو كوميديا دانتي الإلهيــة أو الزوابـع والتـوابع لابن شهيــد الأندلسـي فإن لهــا خصوصيتها وشخصيتهــا المستقلة في التصوير والحوار والمرتكزات ارتباطـاً مع خصوصية المعايير وحدودهـا، فالمعنيون بالمكان وبالخطوات والجولات مسلمون يحاورهم ويحـاكمهم مـلائكة مسلمـون.. وملحمة الزهـاوي هذه هي "أنفس أعماله وأحقهــا بطـول البقـاء" كمـا يقول أمين الريحــاني.. وتستحق أن تخصص لهـا الدراسـات، فليس من السهل أو العـدل استعراض كافة جوانبهـا في عمــل غير مستقـل.
|